يعد التعليم أحد الركائز الأساسية التي يعتمد عليها في عملية التنمية الشاملة التي تتبناها الدول، وعند الحديث عن استراتيجيات الشمول المالي والآليات التي تتخذها الدول في هذا الصدد، يبرز الدور الكبير والفعال للتعليم المالي والثقافة المالية ومدى تأثيرهم في التسريع من وتيرة وحجم الإنجاز في هذا الاتجاه العالمي.

    التعليم المالي وعلاقته بالشمول المالي

    يساهم التعليم المالي في اكتساب الأفراد المهارات والمعرفة اللازمة لمساعدتهم على إدارة الأموال بالطريقة المثلى من أجل جني الأرباح واكتساب مهارات الادخار والاستثمار الجيد عن طريق تعلم الأدوات والاستراتيجيات والمعلومات اللازمة لاتخاذ قرارات مالية أفضل، وتعزيز الرفاهية الاقتصادية، ويمكن تعريف مفهوم محو الأمية المالية، بـ القدرة على فهم وتحليل المفاهيم المالية الأساسية التي تمكن الفرد من اتخاذ قرارات واتباع سلوكيات من شأنها أن تساهم في تعزيز الأهداف المالية للفرد.

    ولا تقتصر الاستفادة من التعليم المالي على الفرد فقط، بل تشير الدراسات إلى وجود تأثير إيجابي في أداء المنظمات المالية أيضًا، حيث لوحظ زيادة الطلب على الخدمات المالية، وانخفاض المتأخرات، وازدياد إيداعات الادخار لدى العملاء الذين حصلوا بالفعل على تعليم مالي مقارنة بالذين لم يحصلوا عليه، وبجانب دوره التثقيفي يعد التعليم المالي أحد الأدوات الهامة التي تعتمد عليها الدول في تعزيز وتيرة الشمول المالي عن طريق تثقيف المجتمع بأهميته وآثاره الإيجابية على المجتمع وعلى الاقتصاد ككل، ودوره في خفض معدلات البطالة والفقر، وتعزيز النمو الاقتصادي ودمج الفئات المهمشة بالمجتمع، فضلًا عن دور التعليم المالي في إتاحة الوصول والمقارنة بين الخدمات المالية المختلفة. 

      مفهوم الشمول المالي 

      ظهر مصطلح الشمول المالي لأول مرة عام 1993م في إحدى الدراسات المالية المختصة في المملكة المتحدة، وفي عام 1999م استخدم المصطلح لوصف مدى إمكانية وصول الأفراد والمنظمات إلى الخدمات المصرفية المختلفة، وعرفه البنك الدولي بأنه نسبة الأشخاص والشركات التي تعتمد على المنتجات والخدمات المالية، مثل الحسابات الجارية، وخدمات التمويل والائتمان، وخدمات سحب وإيداع وتحويل الأموال.

        وترجع فكرة الشمول المالي كما نشرها البنك الدولي إلى بدايات القرن التاسع عشر في الهند، عندما لوحظ زيادة الفجوة في مدى توافر إتاحة الخدمات المصرفية الرسمية في المناطق الريفية والحضرية، واستغلال وكالات الإقراض غير الرسمية التي تقدم الخدمات المالية للفقراء في المناطق الريفية مقابل عائد فائدة مرتفعة نسبيًا، ومواجهة لتلك الفجوة قام البنك الفيدرالي بالهند بإنشاء نظام مالي شامل لجميع فئات المجتمع كما منح المزيد من التراخيص لإنشاء أفرع من المنظمات المالية الرسمية لتقديم الخدمات المصرفية على نطاق واسع.   

          التعليم المالي بالمملكة 

          تهتم المملكة العربية السعودية بتعزيز وتطوير التعليم، وذلك بهدف بناء جيل يمتلك الأسس والمهارات اللازمة لمواكبة التطور التكنولوجي والمسيرة التنموية التي تشهدها السعودية في شتى المجالات، وحددت رؤية المملكة 2030م ملامح هذا التطور، عبر الاهتمام بتطوير المناهج التعليمية لكل المراحل مستندة على فلسفة تعليمية حديثة متفقة مع الأسس الدينية والوطنية، ومن ضمن المجالات التي اهتمت السعودية بتعزيزها ونشرها بين أبناء المجتمع هي التعليم المالي Financial education.

            وتقدر معدلات المعرفة المالية بين السكان البالغين في المملكة بنحو 31%، بناءً على دراسة استقصائية أجراها البنك الدولي، وقد أطلقت العديد من الهيئات بالمملكة البرامج والندوات التي من شأنها أن تسهم في نشر ثقافة التعليم المالي، وعلى سبيل المثال يعد إطلاق برنامج محو الأمية المالية التابع لمجموعة “سدكو” القابضة مسابقة لطلاب المدارس الابتدائية بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، والتي تهدف إلى نشر الوعي المالي بين الطلاب ورفع مستوى الثقافة المالية داخل المجتمع السعودي، مما يمنح الطلاب القدرة على الفهم العادل لأساسيات المالية والتخطيط على المستوى الفردي وحتى تساعدهم على أن يصبحوا أعضاء فاعلين ومؤثرين في المجتمع.

              ومن البرامج المميزة أيضًا برنامج “مالي”، الذي يراعي الجانب القيمي والمبادئ، فهو يضيف للقضايا المالية منظور القيم الإسلامية كالرزق والصدقات، والإقراض، والتكافل الاجتماعي، والاقتصاد في الإنفاق، حيث تعتمد أنشطة ومحتوى البرنامج على عملية تحليل دقيقة تضمنت مراجعة العديد من البرامج العالمية وتحليل محتواها، بالإضافة إلى مراجعة مخرجات التعلم والكفايات التي حددتها منظمات وجهات دولية رائدة في هذا المجال.