أصبحت الرقمنة العامل الأهم والعنصر الثوري الأشمل في الاقتصاد العالمي، حيث لعبت دورًا حيويًا في زيادة عائدات القطاعات الاقتصادية، وتحسين كفاءتها وفاعليتها، وتسهم بشكل كبير في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة 2030م، ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف إلا من خلال تفعيل الرقمنة في جميع القطاعات على مستوى العالم. وعندما نتحدث عن الرقمنة، لا بد من التطرق إلى تقنية الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت الأهم والأكثر جدلاً في العصر الحالي. وقد نمت هذه التقنية بفضل انتشار وتوسع ممارسات الرقمنة، وزيادة حجم ودقة البيانات. ودخلت الرقمنة عالم سلاسل الإمداد، القطاع الذي أصبح محط جدل كبير في وقتنا الحالي، خاصة بعد تأثير جائحة كوفيد-19، وتشهد سلاسل الإمداد تقلبات واضطرابات واسعة، مما دفعنا في هذا المقال إلى استكشاف تأثير الرقمنة على هذه السلاسل العالمية.

      بدأت عملية التحول الرقمي تلقى اهتمامًا كبيرًا من قبل المنظمات في جميع أنحاء العالم، نظرًا للفوائد الهائلة التي توفرها. وتُمكِّن رقمنة سلاسل الإمداد الاستفادة القصوى من التقنيات الرقمية لتخطيط وتنفيذ المعاملات والاتصالات والإجراءات. كما أصبحت رقمنة سلاسل الإمداد ضرورة حتمية، ليس فقط من أجل مرونة سلسلة الإمداد، ولكن أيضًا من أجل تعزيز نمو حجم الأعمال. حيث أكد محللو شركة “ماكينزي” أن رقمنة سلاسل الإمداد يمكن أن تسهم في زيادة أرباح الشركات بنسبة %3.2 سنويًا ونمو إيراداتها بنسبة %2.3.

        ومع ذلك، لا تزال العديد من المنظمات تتردد في اتخاذ خطوات نحو اعتماد التقنيات لتعزيز الأداء التشغيلي لسلاسل الإمداد الخاصة بها. ويُظهر تقرير حديث صادر عن “Gartner” أن حوالي %50 من المنظمات العالمية الكبرى ستستثمر في التقنيات لتحسين رؤية سلسلة الإمداد. وهذا يعني أن الـ %50 الأخرى والشركات الصغيرة لن تمضي قدمًا في أي رقمنة مؤثرة لسلسلة الإمداد في المستقبل القريب.

          تأثيرات الرقمنة على سلاسل الإمداد

          شهدت سلاسل الإمداد العالمية تأثيرًا عميقًا جراء التحول الرقمي، حيث أسهمت هذه التقنيات في تحول النماذج التقليدية للأعمال إلى نماذج حديثة تتميز بفاعلية وكفاءة أكبر في مختلف القطاعات، فيما يلي بعض الطرق والمحاور الرئيسية التي أثرت بها الرقمنة على سلاسل الإمداد العالمية:

            – زيادة الرؤية والشفافية

               تُمكِّن المنصات الرقمية الحديثة من تتبع البضائع في الوقت الفعلي عبر سلاسل الإمداد، مما يساعد الشركات في مراقبة حركة المنتجات وتحديد الاختناقات وتحسين العمليات، كما تعمل المنصات الرقمية على تسهيل التواصل ومشاركة البيانات بشكل أفضل بين شركاء سلسلة الإمداد، وتساعد هذه الشفافية في اتخاذ قرارات أكثر استنارة والاستجابة بسرعة للاضطرابات.

              – تحسين كفاءة سلسلة الإمداد

              تتيح التحليلات المتقدمة وخوارزميات التعلم الآلي للشركات تحليل البيانات السابقة والتنبؤ بالاتجاهات المستقبلية فيما يخص اتجاهات سلاسل الإمداد، مما يساعد على التنبؤ بالطلب المستقبلي وإدارة المخزون وتحسين كفاءة سلسلة الإمداد بشكل عام، بالإضافة إلى ذلك أدت الرقمنة إلى أتمتة عمليات سلاسل الإمداد المختلفة، مما يؤدي إلى تقليل الأخطاء اليدوية وتحسين الكفاءة، تساهم الأنظمة الآلية لمعالجة الطلبات وإدارة المخزون والخدمات اللوجستية في توفير التكاليف.

                – إدارة المخازن

                 تعمل الرقمنة على تمكين المستودعات الذكية بتقنيات مثل “RFID” وإنترنت الأشياء والأتمتة، وينتج عن ذلك تقليل نفاد المخزون، وانخفاض التكاليف، من خلال البيانات والتحليلات في الوقت الفعلي، يمكن للشركات التحرك نحو نموذج المخزون المبني على الطلب، مما يقلل من المخزون الزائد ويحسن الاستجابة لتغيرات السوق بشكل تلقائي.

                  – الاستدامة

                  تشير استدامة سلسلة الإمداد إلى جهود الشركات للنظر في التأثير البيئي والبشري لرحلة منتجاتها عبر سلسلة الإمداد، بدءًا من مصادر المواد الخام وحتى الإنتاج والتخزين والتسليم، والهدف هو تقليل الضرر البيئي الناجم عن عوامل مثل استخدام الطاقة واستهلاك المياه والنفايات مع إحداث تأثير إيجابي على الأشخاص والمجتمعات، وتضاف هذه المخاوف إلى المخاوف التقليدية المتعلقة بسلسلة الإمداد الخاصة بالشركات بشأن الإيرادات والأرباح.