شهد الاقتصاد العالمي العديد من التطورات منذ ظهور تقنية “البلوك تشين” أو ما تعرف باللغة العربية بسلاسل الكتل، والتي تعني باختصار السجل الرقمي الذي يحتفظ بجميع معاملات العملات المشفرة، والتي أحدثت حركة تغيير شهدها الاقتصاد العالمي والأفراد مما أكسبها شهرة وشعبية كأداة للتعاملات المالية داخل وخارج حدود الدول خاصة بعد جائحة كوفيد 19، وعلى الرغم من الشكوك والانتقادات التي شهدتها العملات الرقمية في بداية ظهورها باعتبارها وسيلة غير آمنة ومحفوفة بالمخاطر، إلا أنها أثبتت جدارتها وإمكانية تداولها عالميًا رغم عدم خضوعها للرقابة من أي جهة، وازداد الأمر بعد اعتماد دولة مثل “السلفادور” على “البيتكوين” كوسيلة قانونية للتعامل المادي، بجانب الدور البارز الذي لعبته العملات المشفرة خلال الحرب الروسية الأوكرانية بعدما استبعدت روسيا من نظام سويفت للمعاملات المصرفية مما حرمها من إتمام التحويلات البنكية معاملاتها التجارية مع الدول الأخرى، ولذا سنحاول أن نوضح وضع العملات الرقمية في وقتنا الحالي.

    الفرق بين العملات الرقمية والعملات المشفرة

    هناك فرق بين العملات المشفرة والعملات الرقمية، ويعد مصطلح العملات الرقمية الأعم والأشمل لأي عملة يتم تداولها عبر شبكة الإنترنت سواء كانت مشفرة أو غير مشفرة، فالعملات الرقمية المركزية هي الصورة الإلكترونية (الافتراضية) من العملات النقدية سواء كانت ورقية أو معدنية، وتتجه البنوك المركزية بمختلف دول العالم إلى إطلاق ما يسمى بالعملة الرقمية للبنك المركزي، والتي يكون الإشراف عليها من قبل سلطة حكومية مركزية، وتتولى البنوك المركزية مسؤولية الحفاظ على الاحتياطيات والودائع لدعم العملة مع إزالة عنصر إخفاء الهوية التي تتميز بها قرينتها من العملات المشفرة، ويمتاز إطلاق تلك العملة المركزية بالعديد من الفوائد، أبرزها تسريع الاتجاه نحو الشمول المالي، والكشف بسهولة عن عمليات التلاعب والاحتيال، وإمكانية إجراء تحويلات مالية دولية بصورة فورية، بالإضافة إلى دورها الفعال في تحسين إدارة السياسة النقدية.

      ويعد التعاون السعودي الإماراتي في إنشاء عملة رقمية موحدة بين البنكين المركزيين لكلا البلدين تحت مشروع “عابر“، من أولى التجارب العالمية في هذا المجال، والتي تهدف إلى  معالجة نقاط الضعف في العملات التقليدية خاصة فيما يخص المدفوعات عبر الحدود وتقليص مدة إنجازها وتخفيض تكلفة إتمامها.   

        وعلى الجانب الآخر تتميز العملات المشفرة عن العملات الرقمية المركزية بعدم الكشف عن هوية متداوليها إلا في حالة ربط العملات المشفرة بمحفظة تحتوى على معلومات شخصية لمالكها، مما يسهل تتبع جميع المعاملات ويمنع حذف أي معاملة، كما تمتاز بمفهوم اللامركزية حيث لا يوجد مصدر أو جهة محددة تصدر تلك العملات بل يتم إنتاجها عن طريق التعدين  Mining.

          العملات المشفرة حاليًا

          شهد سوق العملات المشفرة نمو متسارع خلال العام الماضي، حيث بلغ إجمالي القيمة السوقية لجميع الأصول المشفرة 2 تريليون دولار في سبتمبر 2021م، بعدما سجلت البيتكوين العملة المشفرة الأشهر في الفترة الأخيرة أعلى مستوى لها في نوفمبر من العام الماضي حيث كسر البتكوين فيه حاجز 69 ألف دولار، لكن سرعان ما تراجعت مع إقرار البنك المركزي الأمريكي رفع سعر الفائدة، مما أفقد عملة البيتكوين أكثر من 600 مليار دولار من قيمتها السوقية ليصل سعرها إلى قرابة الـ 40 ألف دولار وقت إعداد ذلك الإقرار، وصاحب انخفاض البيتكوين تراجع العديد من العملات المشفرة الأخرى مثل الإيثيريوم، والدوج كوين، وسولانا، وفاينانس كوين.

            وارتفع سعر البيتكوين بأكثر من 540000% بنمو سنوي يقدر بنحو 274% خلال عام 2020م، ومن المتوقع أن ينمو سوق العملات الرقمية بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 56.4% من 2019م إلى 2025م، وفق موقع TripleA للفترة بين عامي 2012 و2021م.

              وذكرت إحصائيات الموقع الخاصة بالعالم العربي، أن عدد متداولي العملات المشفرة في مصر يقدر بنحو 1.8 مليون متداول، وتليها المغرب والسعودية بعدد يقدر بنحو 878.1 و452.7 ألف متداول على الترتيب.

                وتحظى الدول والاقتصادات الصاعدة بنمو سريع في هذا المجال حيث سجل حجم تداول سكان تلك البلدان زيادة حادة خلال العام الماضي، مما سيكون له بعض الانعكاسات السلبية على معدلات استهلاك الطاقة المحلية نتيجة ما تستهلكه عمليات التعدين من كميات كبيرة من الطاقة، وبالتالي ارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون وزيادة معدلات التلوث البيئي.