العمل الهجين أحد أشكال أو نماذج العمل التي طبقتها العديد من المنظمات والدول بشكل كبير مع ظهور جائحة كوفيد 19 وانتشارها على نطاق واسع وما تبعها من إجراءات لتقييد الحركة والتباعد والتي مثلت تحديًا كبيرًا على تواجد الموظفين في أماكن العمل، مما خلق الحاجة إلى وجود سبل لضمان استمرار ممارسة مهام العمل مع الحفاظ على منع انتشار الوباء في بيئات الأعمال، وهنا فرضت الحاجة زيادة معدلات التوجه نحو العمل عن بعد والعمل الهجين داخل المنظمات، والذي اعتبرته الكثير منها في الوقت الحالي أحد أشكال العمل المعتمدة لديها ضمن خطتها وإدارتها لمواردها البشرية.

    مفهوم العمل الهجين Hybrid Work 

    يعني العمل الهجين أحد أشكال العمل التي تمتاز بالمرونة في مكان وأوقات العمل، حيث يتميز ذلك الشكل بالمزج بين العمل من المكاتب أو مقار الشركات والعمل عن بعد أو من المنزل دون الحاجة للانتقال إلى مقر العمل وما يتطلبه ذلك من جهد ووقت يعد مهدر في حالة أماكن العمل البعيدة عن محل سكن الموظفين، ولذا يعد العمل الهجين من أكثر أشكال العمل إنتاجية مقارنة بأشكال العمل التقليدية.

      ويحقق العمل الهجين ارتفاع في معدلات الرضا الوظيفي وزيادة معدلات الإنتاجية، كما يتجاوز نموذج العمل هذا بعض مشكلات العمل عن بعد مثل العزلة وقلة التواصل المجتمعي، ويتعامل على أن الموظفين أولًا، ويضع المرونة كعنصر أساسي في علاقة العمل بين الموظف والمنظمة، وينظم العمل الهجين بأشكاله المختلفة ظروف القيام بالمهام الوظيفية التي أصبحت لا يشترط أن تكون داخل جدران مكتب الشركة بل يتطلب القيام ببعضها العمل في ظروف وأماكن مختلفة وفق طبيعة المنظمة والمهام.

        فوائد العمل الهجين 

        يحقق تطبيق العمل الهجين فوائد متبادلة ومشتركة لطرفي علاقة العمل (الموظفين والمنظمات) وكذلك البيئة، حيث تزيد قيمة المرونة كإحدى القيم المؤثرة في بيئة العمل انتماء الموظفين للمنظمات وتخفض معدلات الدوران الوظيفي وتنعكس على معدلات الإنتاجية، بينما تستفيد المنظمات من تطبيق العمل بهذا النمط عبر تخفيض نفقات المكاتب والمقار الإدارية والسفر وتحسين نتائج الأعمال النهائية، ويفيد البيئة من خلال تعزيز وجعل مستقبل العمل أكثر استدامة.

          ورأى نحو 99% من العاملين في المجالات المعرفية أن العمل الهجين من المنزل يساهم في إتاحة المزيد من الوقت والتواصل مع العائلة والأصدقاء بينما أراد 95% العودة إلى العمل المكتبي للعمل والتعاون بشكل أكثر تفاعلًا، وفضل 33% من الموظفين التواجد في المكاتب 5 أيام شهريًا، و57% التواجد 10 أيام شهريًا، وتخطط نحو 53% من المنظمات الكبرى لتقليل البصمة المكتبية، وفق ما كشفت عنه بعض الأبحاث الحديثة التي أجرتها Dimensional Research. 

            أنواع العمل الهجين

            تتعدد أنواع العمل الهجين لكن هناك 4 أنواع شائعة التطبيق هي:

              1- العمل الهجين المرن

              يعد العمل الهجين المرن أشهر نماذج ذلك النوع من العمل وأكثرها انتشارًا، لما يوفره من مرونة في اختيار مكان العمل وأوقاته بما يلائم تفضيلات الموظفين، بما يضمن سير العمل بكفاءة والاجتماع بين فرق العمل في مكان واحد حال وجود مشروع أو مهام تتعلق بالعمل تتطلب ذلك، ويتميز هذا النوع المرن بالمساهمة في زيادة الولاء والرضا الوظيفي نتيجة المرونة الممنوحة للموظفين، كما يخفض النفقات على المنظمات، لكنه يواجه بعض التحديات مثل صعوبة إيجاد يوم أو وقت محدد للاجتماع أو العمل الجماعي، وعدم تحديد عدد الموظفين الذين قد يحضرون لمقر العمل في بعض الأيام ومدى استيعاب واستعداد المكان لذلك.

               

              2- العمل الهجين الثابت

              تحدد المنظمة في هذا النوع من العمل الهجين أيام ثابتة للعمل عن بعد أو الذهاب للمكتب ومقر العمل، وعادة ما تقسم المنظمات فرق العمل الكبيرة المتبعة لهذا النوع إلى مجموعات تحضر كل منها في أيام محددة بواقع يومين أسبوعيًا على سبيل المثال، ويفيد ذلك النوع في خلق فرص التعاون وبناء فريق العمل، كما يتيح للموظفين جدولة المواعيد والقيام بالمهام المطلوبة في أيام محددة خلال الأسبوع، لكنه يعيق فرص الاختيار الفردي لتفضيلات الموظفين من حيث مكان ووقت العمل مما ينعكس بالسلب على الإنتاجية حال عدم الرضا، كما يجبر المنظمة على عدم تقليل المساحات المكتبية وبالتالي استمرار النفقات.

               

              3- نموذج العمل الهجين (الأولوية للمكاتب)

              يعتمد هذا النوع من العمل الهجين على العمل من المكاتب ومقار المنظمات مع السماح للموظفين باختيار يومان أو ثلاثة أيام للعمل عن بعد، ويلبي هذا النوع التفضيلات الفردية للموظفين نتيجة إتاحة بعض المرونة مما يساعد في الحفاظ على ثقافة الشركة والمجتمع، لكنه يصطدم ببعض المعوقات مثل عدم علم كل الموظفين بمتى ومن سيكون متواجد بالمقر في وقت معين، وكذلك صعوبة تحديد عدد الموظفين المتواجدين في يوم معين.

               

              4- نموذج العمل الهجين (الأولوية عن بُعد)

              يعمل الموظفون في هذا النوع عن بُعد في معظم الأوقات مع الحضور خلال زيارات عرضية في مقار العمل أو المكاتب لبناء الفريق ومناقشة بعض المهام مثل التعاون والتدريب، وقد تكون تلك اللقاءات في مساحات العمل المشتركة حال عدم وجود مقر في أوقات تلائم الفريق بأكمله، وتتبع “تويتر” ذلك النموذج، والذي يمتاز بزيادة الإنتاجية والرضا وانخفاض معدل الدوران الوظيفي لدى الموظفين الذين يفضلون العمل عن بُعد في معظم الأوقات، كما يخفض التكاليف ويقلل مساحة المكتب وربما يجعل الحاجة إليه غير مطلوبة، لكنه قد يعيقه احتمالية شعور الموظفون بالعزلة أو عدم القدرة على الحفاظ على ثقافة الشركة والمجتمع.

                كيفية بناء ثقافة العمل الهجين في المنظمات

                تراود المنظمات  كثيرًا من المخاوف إذا ما قررت تطبيق نظام العمل الهجين لديها أو العمل عن بُعد ووضعه ضمن ثقافتها وهيكلتها والتعامل مع منح المرونة للموظفين على كونه أمرًا معتمدًا لدى إدارتها، خاصة أنها تعتبر التعامل المباشر بين الموظفين يعزز من نقل وتبادل الأفكار وأن خلاف ذلك قد يهدد التعاون والشعور بالهدف المشترك، مما قد يضر بالإنتاجية ويزيد معدل دوران الموظفين، لكن تلك المخاوف يمكن تجاوزها إذا حرصت المنظمات على أن تضع ضمن ثقافتها للعمل الهجين قيم التعاطف والثقة والشمولية.

                  ويتطلب التوسع في تطبيق العمل الهجين التعامل بشكل مختلف مع مفهوم الهدف المشترك وطريقة التفكير به وما يتبعه من ضمانات للحفاظ على ثقافة المنظمة، وإذا كانت الثقافة تعتبر العمل والتواصل بين الزملاء أمرًا مهمًا فمن الأهم أن تعمل المنظمة على تسهيل التفاعل بين الموظفين سواء كانوا في غرفة معًا أو بصورة افتراضية، ويمكن أن تعمل المنظمات على دمج مزايا العمل الهجين والمكتبي معًا في ثقافتها من خلال السماح للموظفين باختيار المكان الذي يفضلون العمل فيه مع الحفاظ على الاتصال والتواصل بين فرق العمل.