“المدن الذكية SMART CITIES” مصطلح ربما لم يكن متداول قبل أعوام قليلة مضت، إلا أنه أصبح واقع ملموس وتوجه لدى كثير من الحكومات والدول حول العالم، فلم تعد المدن تشيد وفق الطرق التقليدية التي تقتصر على تأسيس البنية التحتية وشبكات الخدمات والمرافق والطرق بل امتد الأمر لما هو أكثر من ذلك، حيث أصبح توفر تكنولوجيات متطورة مثل شبكات الجيل الخامس لتكنولوجيا الاتصالات 5G والذكاء الاصطناعي AI وإنترنت الأشياء IoT والمستشعرات وحلول التنقل الذكي أبرز عناصر البنية الأساسية الرقمية لنشأة تلك المدن الذكية سواء الجديدة أو القائمة.

مفهوم المدن الذكية

ويعرّف الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) مفهوم “المدن الذكية المستدامة “Smart Sustainable Cities” والذي يعد مثار تساؤل لدى الكثيرين بأنها مدينة تستخدم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتحسين نوعية الحياة، ورفع كفاءة العمليات والخدمات الحضرية والقدرة على المنافسة، وتلبي في الوقت ذاته احتياجات الأجيال الحالية والقادمة فيما يتعلق بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية، ويمكن تأصيل المفهوم من تعريف الذكاء ذاته (Smartness or Intelligence (Karadag,2013 بأنه القدرة على استخدام المعلومات وتحويلها إلى المعرفة من خلال استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

وتصف الأمم المتحدة في تقرير أصدرته عن المدن الذكية شهر فبراير 2015، “بأنها مدينة تعمل بأسلوب طموح وابتكاري يغطي مجالات الاقتصاد، والسكان والحوكمة، وقابلية التحرك، والبيئة والمعيشة”.

ويرى البعض أن المدن الذكية بوصف مبسط هي تلك المدن القائمة على استخدام التقنية في مختلف جوانب الحياة اليومية بها، بدء من الاهتمام بالجانب البيئي والتوسع في مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة، واستخدام حلول التنقل الذكي مثل السيارات الكهربائية وذاتية القيادة ووسائل النقل التشاركي المتطورة، وخيارات الدفع الإلكتروني والاستفادة من كل الخدمات عن بعد عبر حلول وتطبيقات تقنية، كما تتوفر بها  خدمات الإنترنت وشبكات الجيل الخامس 5G في أرجاء المدينة كافة، إضافة إلى استخدام تقنيات الأجهزة الذكية في المنازل على نطاق كبير، وإتاحة حلول متطورة للخدمات قائمة على استخدام الذكاء الاصطناعي AI وإنترنت الأشياء IoT والمستشعرات في الطرق والإنارة وغيرها.

ماذا تعني الاستدامة للمدن الذكية

من هنا وضع الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) الاستدامة كعنصر رئيسي لاعتبار أي مدينة “مدينة ذكية” بجانب جودة الحياة والقدرة على المنافسة، وتتحقق الاستدامة وفق تعريفات بعض المصادر من خلال إجراءات تضمن استغلال الموارد الطبيعية ونموها بما يلبي الاحتياجات المختلفة لفترات طويلة دون التأثير على نصيب الأجيال القادمة، وبالتالي يمثل الحفاظ على الجانب البيئي والموارد أهم ضوابط تحقيق الاستدامة، وتسعى المدن الذكية لذلك من خلال توفير حلول تقنية خدمية لتحسين استهلاك الطاقة وإدارة المخلفات، وفحص جودة الهواء، وتحسين الرعاية الصحية والإسكان، وتشغيل شبكات المياه والصرف الصحي، وتحقيق السيولة المرورية وتنبيه الشرطة إلى الجرائم التي تحدث في الشوارع.

وتبرز الحاجة إلى خلق مجتمعات ومدن ذكية مستدامة بصورة عاجلة لمواجهة تحديات تفضيل السكن في المدن لدى أكثر من نصف سكان العالم في الوقت الحالي وتوجه نحو 7 من كل 10 أشخاص إلى ذات القرار بحلول عام 2050، في ظل استمرار الخرق البيئي الذي تحدثه حياة المدينة وينتج عنه نحو 70 % من انبعاثات الكربون كما يستهلك 60% إلى 80% من الطاقة عالميًا، إضافة إلى استمرار بعض الممارسات التي تنعكس على جودة الحياة بصورة مضرة سواء على المدى القصير أو الفترات المستقبلية.

مزايا وعيوب المدن الذكية

ربما يعتبر الكثيرون أن المدن الذكية هي النموذج المثالي لجودة الحياة بشكل يكفل الحصول على الاحتياجات وأداء المهام في سهولة ويسر عبر حلول تقنية وخدمية متطورة تضم باقة من التطبيقات والمنصات التي تلبي رغبات السرعة في التنقل والحصول على الخدمات بشكل متطور بجانب الحفاظ على البيئة والحوكمة والتنافسية، إلا أن بعض الأشخاص قد يعتبرها بمثابة تهديد أو تحدي يواجهونه نتيجة اتاحة بعض البيانات الخاصة بهم لدى مقدمي الخدمات لتحسين الأداء بشكل يعتبرونه “انتهاك للخصوصية”، خاصة في ظل إسناد تقديم بعض الخدمات لشركات حكومية أو خاصة لما تتطلبه من تقنيات قد تتفوق بها تلك الشركات. 

المدن الذكية في المملكة العربية السعودية

وضعت المملكة العربية السعودية ضمن رؤية 2030 العمل على تحويل 5 مدن كبرى هي مكة المكرمة والرياض وجدة والمدينة المنورة والأحساء إلى مدن ذكية في إطار مبادرة تطبيق مفاهيم المدن الذكية التي أطلقتها منظومة الشؤون البلدية والقروية كما رصدت 500 مليار دولار للاستثمار في 285 بلدية لبناء المدن الذكية، إلا أن مدينة “ذا لاين” المليونية الذكية تعد  الأكثر شهرة  بين المدن الذكية التي تعمل المملكة العربية السعودية على تنفيذها بطول 170 كم ضمن مشروع “نيوم”، والمعززة بالذكاء الاصطناعي وتعتمد على الطاقة النظيفة بنسبة 100%.

اكتسبت “ذا لاين” شهرتها من الخصائص الفريدة التي أعلنها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد ورئيس مجلس إدارة شركة نيوم، خلال حفل الإطلاق، ومنها خلو المدينة من الشوارع والمركبات وبالتالي ستمثل بيئة خالية من الانبعاثات الكربونية والضوضاء والازدحام، وتمكن سكانها من الوصول إلى جميع الأماكن الحيوية والوجهات في غضون 5 دقائق سيراً على الأقدام، كما ستوفر 380 ألف فرصة عمل تحفز التنويع الاقتصادي بإضافة 180 مليار ريال سعودي (48 مليار دولار أمريكي) إلى الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030.

وتعزز الخطوات التي تتخذها المملكة في دعم التحول الرقمي وتقنية المعلومات من فرص نشأة المزيد من المدن الذكية في ظل تقدم ترتيبها بين الدول في مؤشرات جودة الخدمات الرقمية بين دول العالم، حيث جاءت في المرتبة 5 في مؤشر سرعة الإنترنت المتنقل وفق ما أعلنه المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة “أداء”.