تؤثر درجات الحرارة بشكل أو آخر على النشاط الاقتصادي العالمي، وهو ما يدفع نحو الاهتمام بقضايا التغير المناخي وجعلها في أولى اهتمامات الشركات والمنظمات العالمية، وذلك للتصدي للتحديات الراهنة التي تمثل خطورة على البشرية الآن أكثر من أي وقت مضى، وهو ما يتفق مع ما ذكره رئيس الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ التابعة للأمم المتحدة السيد “هوسونغ لي” في أحد الاجتماعات الدولية التي أقيمت مطلع العام الجاري.

    وحذرت شركة Swiss Re من ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية عن 3.2 درجة مئوية وما قد يسببه من زوال لما يقرب من 18% من إجمالي الناتج المحلي للاقتصاد العالمي وذلك بحلول عام 2050م، وأكدت الشركة على أن المخاطر المناخية ستؤثر على 48 دولة تمثل نحو 90% من الاقتصاد العالمي، كما شددت على خطورة التغيرات المناخية خاصة على الاقتصاديات الآسيوية مثل ماليزيا وإندونيسيا والفلبين والهند وتايلند، مقارنة بالاقتصاديات الغربية التي لن تتأثر بنفس المقدار كالولايات المتحدة وسويسرا وألمانيا، وغيرها من الدول. 

    التأثيرات الاقتصادية لارتفاع درجات الحرارة 

    تؤثر درجات الحرارة المرتفعة على  الأنشطة الاقتصادية بالدول في عوامل عدة منها:

      • التأثير السلبي على معدلات النمو: أشارت دراسة أجريت عام 2008م إلى أن اقتصادات الولايات الأمريكية تميل إلى النمو بوتيرة أقل خلال فصول الصيف الحارة نسبيًا، حيث تظهر البيانات انخفاض معدلات النمو من 0.15% إلى نحو 0.25% لكل درجة فهرنهايت، خاصة في الصناعات التي تحتاج إلى تعرض العمال فيها إلى الشمس لفترات طويلة مثل عمليات البناء، وأضافت الدراسة أن ارتفاع درجات الحرارة يؤثر أيضًا على الأنشطة الاقتصادية في الأماكن المغلقة خاصة البيع بالتجزئة وخدمات التمويل، حيث يقلل من إنتاجية العمال.

      • التأثير السلبي على مستويات الإنتاج الزراعي: تحتاج بعض المحاصيل الزراعية إلى التعرض لدرجات حرارة مرتفعة نسبيًا خاصة التي تنمو بين 29-32 درجة مئوية، ولكن عند تجاوز درجات الحرارة لهذا الحد تنخفض إنتاجية الأراضي الزراعية من محاصيل الذرة وفول الصويا والقطن.

      • زيادة معدل استهلاك الطاقة: ترتفع معدلات استهلاك الطاقة في الأجواء الحارة حيث يقوم الأفراد والشركات بتشغيل مكيفات الهواء وغيرها من معدات التبريد بكامل طاقتها، وأشارت دراسة إلى أن استخدام الطاقة يزداد أكثر في الأماكن التي تميل إلى أن تكون أكثر سخونة، مما يزيد من معدلات استهلاك الكهرباء ومع الارتفاع المستمر في درجات الحرارة وزيادة الاعتماد على مكيفات الهواء يرتفع الضغط على شبكات الكهرباء المحلية مما قد يؤدي إلى انقطاع التيار الكهربي وهو أمر مكلف للاقتصاد، حيث يمكن أن يفسد مخزون المواد الغذائية والسلع الأخرى ويتعين على العديد من الشركات تشغيل المولدات أو الإغلاق الكلي، وفي عام 2019م كلفت حالات انقطاع التيار الكهربي بولاية كاليفورنيا الأمريكية نحو 10 مليار دولار.

      • التأثير السلبي على العملية التعليمية: يؤثر الطقس الحار على قدرة الأطفال على التعلم، وبالتالي تقل قدرتهم الاستيعابية وفرص جني الأموال في المستقبل، وأشارت إحدى  الدراسات إلى أن الطلاب الذين لا تحتوي مدارسهم على أجهزة تبريد هواء في المناطق الحارة تقل قدرتهم على تحصيل المعلومات بنسبة 1% مقارنة بالطلاب الذين تحتوي مدارسهم على أجهزة تبريد هواء في الفصول، وتشير الدراسة إلى أن انخفاض مستوى التعليم يضر بالنمو الاقتصادي على المدى القريب والبعيد.

        تأثيرات التغير المناخي على الاقتصاد والمجتمع 

        يمثل التغير المناخي تهديد خطير على كوكب الأرض والبشر ليس ذلك فحسب، بل يهدد الاقتصاد العالمي أيضًا، ولذا يجب أن يكون هناك تعاون بين القطاعين العام والخاص لحل تلك المشكلة وتغيير الطريقة التي ننتج بها السلع والخدمات إلى طرق أخرى تضمن وتؤدي إلى تنمية النمو الاقتصادي المستدام مع مراعاة العوامل المناخية.

          ويعد تغير المناخ أحد أكبر تهديدات الاستقرار الاقتصادي، حيث تجعلنا موجات الحر أقل قدرة على العمل والإنتاج، وتؤدي موجات الجفاف إلى تقليص كمية المحاصيل المنتجة، مما يزيد من معاناة توفير احتياجات الإطعام لسكان العالم المتوقع أن يصل عددهم  إلى نحو 10 مليارات بحلول عام 2050م طبقًا للتوقعات السكانية العالمية الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة عام 2019م، وطبقًا لتقديرات البنك الدولي إذا استمر الحال كما هو عليه من قبل الدول والمنظمات الكبرى سينضم 100 مليون نسمة حول العالم إلى أعداد الفقراء بحلول عام 2030م.